محمد بن طلحة الشافعي
168
الدر المنتظم في السر الأعظم
الجنوبية بالمنطقة الشمالية ، وفيها تفنى الحيوانات وتطوى السماوات ، قال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ « 1 » . انظر إلى العرش على مائه * سفينة تجري بأسمائه وأعجب له من مركب سائر * قد أودع الخلق بأحشائه يسيح في بحر بلا ساحل * في حندس الغيب وظلمائه فلو تراه في الورى سائرا * وموجه أحوال عشّاقه من ألف الخط إلى بائه * ويرجع العود إلى بدائه ولا نهايات لا بدائه * يكوّر أصبح على ليله وصبحه يفنى بامسائه * فانظر إلى الحكمة سيّاره في وسط الفلك وأرجائه * ومن أتى يرغب في شائه يعقد في النية بسبسابه * حتى يرى في نفسه فلكه وصنعة اللّه بإنشائه نداء الساعة واعلم يا ذائق أنّ ناطق الأكوان صادق ، يفهّمك الأسرار ويوضّح لك الأنوار ، فمنه خطاب الليل والنهار ، يعلّمك بلسان الحال ، بل بصريح المقال ، وجود طيّ المراحل وقطع المنازل ، للقمة البرزخية وقبا الأيّام القمرية ، فناطق الليل يخبرك بألسن ظاهرة وأحوال جليلة باهرة ، فالظاهر لسان المنازل يناديك كلّ منزلة تذهب ، ألا إنّي ذهبت فما ادّخرت ، وكذلك لسان الساعات نداء الأجسام المحسوسة ، ونداء الدرج نداء القلوب ، ونداء الدقائق نداء النفوس ، ونداء الثواني نداء الأرواح ، ونداء الثوالث نداء العقول ، ونداء الروابع نداء الأسرار . وأمّا النهار ، فهو نداؤه يناديك جملا وتفصيلا ، من حيث الساعات والدرج والدقائق والثواني والثوالث والروابع إلى ما لا نهاية له ، ثمّ جريان
--> ( 1 ) سورة الرحمن : 26 .